التاريخ

رحلة عائلة من بادية الحجاز إلى شمال النقب ثم الشتات — قرنان من الترحال والبقاء.

١

الحجاز — ديار بني سالم

قبل ١٨١٠م · بين مكة والمدينة وينبع

في الشريط الممتد بين البحر الأحمر وجبال الحجاز نشأت الأسرة، ضمن واحدة من أكبر قبائل الجزيرة العربية.

قبيلة حرب من أكبر قبائل الحجاز وأوسعها انتشاراً، تمتد ديارها من المدينة المنورة شمالاً إلى القنفذة جنوباً، ومن جدة والبحر الأحمر غرباً إلى ما وراء وادي الرمة شرقاً. وتنقسم القبيلة إلى عمارتين كبيرتين: بني سالم وبني مسروح.

وهذه الأسرة من بني سالم — العمارة التي تسكن شرق المدينة المنورة وجنوبها، وتضم أفخاذاً معروفة يتوزع أبناؤها اليوم بين الحجاز ونجد ومهاجر بعيدة.

في مطلع القرن التاسع عشر أصاب الحجاز قحطٌ شديد. كانت المدينة المنورة تعتمد في قوتها على قوافل الميرة القادمة من مصر، فلما انقطعت بسبب الاضطرابات والحروب، اشتد الجوع حتى سجّل المؤرخون موت كثير من الأهالي. عندها بدأت هجرات جماعية نحو مصر — البلد الذي كان يأتي منه الطعام.

٢

مصر — كفر شبين بالقليوبية

١٨١٠ – ١٨٤٠م · قرب شبين القناطر، دلتا النيل

خرج زين الدين الحربي من الحجاز بزوجته وابنه الصغير موسى، فنزل قرية في ريف الدلتا كانت أول محطة في رحلة امتدت قرنين.

نزلت الأسرة قرية كفر شبين، على بعد نحو أربعة كيلومترات من شبين القناطر بمديرية القليوبية. وهي أرض زراعية خصبة في قلب الدلتا، بعيدة كل البعد عن بادية الحجاز التي جاؤوا منها.

توفي زين الدين بعد نحو سنتين من وصوله، ودُفن في القرية. وتوفيت زوجته بعده بست سنوات فدُفنت بجواره. وبقي موسى — الابن الوحيد — يتيماً في بلد غريب، وهو الذي ستُنسب إليه العائلة كلها من بعد.

كبر موسى وتزوّج فتاة من قبائل عربية كانت قد قدمت مع والدها من الجزيرة العربية، فأنجب ستة أولاد وبنتاً. ومن هذا البيت الواحد في قرية مصرية صغيرة تفرّعت كل بيوت العائلة اليوم.

٣

فلسطين — وادي الشلالة وبئر السبع

١٨٤٠ – ١٩٤٨م · شمال النقب

انتقلت الأسرة شرقاً إلى بادية بئر السبع، فاستقرت على أرض زراعية خصبة، وخاضت هناك حروب القبائل التي شكّلت النقب في القرن التاسع عشر.

استقرّ أبناء موسى في موقع الدفنات على الضفة الشرقية لوادي الشلالة، على بعد نحو أربعة كيلومترات من قضاء بئر السبع. أرض زراعية خصبة سمحت لهم أن يجمعوا بين الزرع والرعي.

كان النقب في ذلك القرن ساحة صراع متصل بين قبائله الكبرى: الترابين والتياها والعزازمة والجبارات والحناجرة. وقد خاضت الأسرة حربين: الأولى انتصرت فيها وحلفاؤها على التياها بعد أربع سنوات من القتال، وكان أشهر مقاتلي أولاد موسى فيها أكبرهم عبد العاطي.

ثم قامت حرب ثانية مع قبيلة العزازمة، استُشهد فيها ثلاثة من أبناء موسى: حسين وإسماعيل وعبد الرحمن. ودُفنوا عند مقام الشيخ نوران في موقع يُعرف بقوز العز — سُمّي كذلك لأن المنتصرين اعتزّوا فيه بنصرهم، و«القوز» في لسان أهل النقب هو الرابية المرتفعة عمّا حولها.

وتوفي موسى فدُفن في الخلصة جنوب بئر السبع. وبقي من أولاده ثلاثة: عبد العاطي ومحمد وعبد النبي — وهؤلاء الثلاثة هم أصول كل بيوت العائلة القائمة اليوم.

«ويُسمّى بقوز العز لأنهم انتصروا فيه على أعدائهم واعتزّوا بهذا الانتصار، ويُسمّى بالقوز لأنه مرتفع عن الأراضي التي تحيط به»
٤

خان يونس والشتات

١٩٤٨م – اليوم · غزة، الأردن، مصر

اقتُلعت العائلة من ديار بئر السبع سنة ١٩٤٨، فكانت الهجرة الثالثة في تاريخها — ومنها تفرّقت في أكثر من بلد.

مع نكبة عام ١٩٤٨ هُجّرت قبائل بئر السبع عن أراضيها، فلجأت فروع العائلة إلى خان يونس وعبسان الصغيرة في قطاع غزة. وتشهد على ذلك مدافن العائلة التي تنتقل في هذا الجيل من قوز العز والخلصة إلى خان يونس وعبسان.

ومن غزة امتدت فروع أخرى إلى الأردن وسواها، حيث تقيم اليوم أسر من العائلة في عمّان وغيرها.

أما فرع عبد النبي بن موسى فلم يرحل مع إخوته إلى فلسطين، بل بقيت ذريته في مصر حيث نزل الجدّ الأول. ومدافنهم إلى اليوم في كفر شبين وشبين الكوم بالمنوفية، وأسماء أجيالهم الأخيرة مصرية خالصة — فرعٌ من العائلة عاش قرنين في البلد الذي كان محطة عبور للآخرين.

٥

الأردن — عمّان وجرش

١٩٦٧م – اليوم · شرق الأردن

من غزة امتدّت فروع العائلة شرقاً إلى الأردن، فاستقرّت في عمّان وجرش حيث تعيش اليوم أجيالٌ وُلدت ونشأت فيها.

جاءت الموجة الأكبر من الانتقال إلى الأردن بعد حرب ١٩٦٧م وما تلاها من نزوح عن قطاع غزة، فاستقرّت أسر من العائلة في عمّان — العاصمة التي استقبلت موجات اللجوء الفلسطيني المتعاقبة — وفي جرش شمالاً.

وفي الأردن وُلد الجيلان التاسع والعاشر من ذرية زين الدين، وهما أول جيلين في تاريخ العائلة لم يعرفا الترحال: نشأوا في مدنٍ ثابتة، وتعلّموا في مدارسها وجامعاتها، وعملوا في مهنٍ لم تكن معروفة لأجدادهم — الهندسة والطب والتعليم والبرمجة.

ومن عمّان أُعدّ هذا السجلّ — في المدينة التي صارت، بعد قرنين من الرحيل، موطناً لفرعٍ من العائلة يحفظ ذاكرة الديار التي سبقتها.

الخط الزمني

أحداث القبيلة والعائلة مرتّبة، من نزول حرب الحجاز إلى النكبة.

  1. حرب تنزل الحجاز

    تذكر المصادر التاريخية أن قبيلة حرب انتقلت من صعدة في اليمن إلى ديار الحجاز في هذه الفترة، فاستقرت بين مكة والمدينة وينبع، وصارت من أكبر قبائل المنطقة.

  2. مجاعة الحجاز الكبرى

    انقطاع قوافل الميرة المصرية عن المدينة المنورة بسبب الحروب والاضطرابات، فاشتد القحط وعمّت المجاعة حتى بدأت هجرات جماعية من الحجاز.

  3. هجرة زين الدين إلى مصر

    خرج زين الدين الحربي من ديار بني سالم بزوجته وابنه الصغير موسى، ونزل قرية كفر شبين قرب شبين القناطر بالقليوبية.

  4. وفاة زين الدين

    توفي الجدّ الأول بعد نحو سنتين من وصوله مصر، ودُفن في كفر شبين، تاركاً ابنه موسى صغيراً.

  5. وفاة زوجته ودفنها بجواره

    توفيت بعد زوجها بست سنوات ودُفنت في القرية نفسها، فأصبح موسى وحيداً في مصر.

  6. الانتقال إلى بئر السبع

    انتقلت الأسرة من مصر إلى شمال النقب، واستقرت على الضفة الشرقية لوادي الشلالة في أرض زراعية خصبة.

  7. حرب التياها

    حرب استمرت أربع سنوات انتهت بانتصار الأسرة وحلفائها. وكان أشهر مقاتلي أولاد موسى فيها أكبرهم عبد العاطي.

  8. حرب العزازمة — استشهاد ثلاثة إخوة

    استُشهد حسين وإسماعيل وعبد الرحمن أبناء موسى، ودُفنوا عند مقام الشيخ نوران في قوز العز. وبقي من الإخوة ثلاثة هم أصول العائلة كلها.

  9. توثيق قبائل بئر السبع

    صدر كتاب «تاريخ بئر السبع وقبائلها» لعارف العارف، وهو المرجع الأوسع لحروب النقب وأنساب قبائله التي عاشتها العائلة.

  10. النكبة واللجوء إلى خان يونس

    هُجّرت قبائل بئر السبع عن أراضيها، فلجأت فروع العائلة إلى خان يونس وعبسان الصغيرة، ومنها امتدت لاحقاً إلى الأردن وغيرها.

  11. النزوح إلى الأردن

    بعد حرب ١٩٦٧م انتقلت أسر من العائلة من غزة إلى الأردن، فاستقرّت في عمّان وجرش، وفيهما وُلد الجيلان التاسع والعاشر.

  12. توثيق السجلّ رقمياً

    جُمع سجلّ العائلة المكتوب ووُثّق في قاعدة بيانات مفتوحة لأبناء العائلة، فيها ٢٧٠ اسماً في عشرة أجيال، مع سياقها التاريخي وأماكنها ومدافنها.

ملاحظة في التأريخ

يرد في السجل الأصلي تاريخ ١٦١٠م لهجرة زين الدين، غير أن حساب الأجيال الخمسة الفاصلة بينه وبين جيل مواليد ١٩٣٠ يجعل ذلك مستحيلاً — إذ يقتضي متوسط جيل يقارب مئة عام. والأرجح أن الصواب ١٨١٠م، بسهو قلمٍ في خانة المئات عند النسخ. ويسند هذا الترجيح أن مجاعة الحجاز الكبرى وقعت فعلاً في تلك السنوات، وأن حروب النقب القبلية من وقائع القرن التاسع عشر، وأن مدافن الأجيال الأخيرة في خان يونس وعبسان لا تكون إلا بعد ١٩٤٨.

الأماكنالقبيلة